محمد بن جرير الطبري

26

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وليست بسنهاء ولا رجبية * ولكن عرايا في السنين الجوائح فجعل الهاء في السنة أصلا ، وهي اللغة الفصحى ، وغير جائز حذف حرف من كتاب الله في حال وقف أو وصل لإِثباته وجه معروف في كلامها . فإن أعتل معتل بأن المصحف قد ألحقت فيه حروف هن زوائد على نية الوقف ، والوجه في الأَصل عند القراءة حذفهن ، وذلك كقوله : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وقوله : يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ فإن ذلك هو مما لم يكن فيه شك أنه من الزوائد ، وأنه ألحق على نية الوقف . فأما ما كان محتملا أن يكون أصلا للحرف غير زائد فغير جائز ، وهو في مصحف المسلمين مثبت صرفه إلى أنه من الزوائد والصلات . على أن ذلك وإن كان زائدا فيما لا شك أنه من الزوائد ، فإن العرب قد تصل الكلام بزائد ، فتنطق به على نحو منطقها به في حال القطع ، فيكون وصلها إياه وقطعها سواء . وذلك من فعلها دلالة على صحة قراءة من قرأ جميع ذلك بإثبات الهاء في الوصل والوقف ، غير أن ذلك وإن كان كذلك فلقوله : لَمْ يَتَسَنَّهْ حكم مفارق حكم ما كان هاؤه زائدا لا شك في زيادته فيه . ومما يدل على صحة ما قلنا ، من أن الهاء في يتسنه من لغة من قال : " قد أسنهت " و " المسانهة " ، ما : حدثت به عن القاسم بن سلام ، قال : ثنا ابن مهدي ، عن أبي الجراح ، عن سليمان بن عمير ، قال : ثني هانئ مولى عثمان ، قال : كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت ، فقال زيد : سله عن قوله : لم يتسن ، أو لم يتسنه ؟ فقال عثمان : اجعلوا فيها هاء . حدثت عن القاسم ، وحدثنا محمد بن محمد العطار ، عن القاسم ، وحدثنا أحمد والعطار جميعا ، عن القاسم ، قال : ثنا ابن مهدي ، عن ابن المبارك ، قال : ثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن عن هانئ البربري ، قال : كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف ، فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها : " لم يتسن " و " فأمهل الكافرين " و " لا تبديل للخلق " . قال : فدعا بالدواة ، فمحا إحدى اللامين وكتب : لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ومحا " فأمهل " وكتب : فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ وكتب : " لم يتسنه " ألحق فيها الهاء . ولو كان ذلك من " يتسنى " أو " يتسنن " لما ألحق فيه أبي هاء لا موضع لها فيه ، ولا أمر عثمان بإلحاقها فيها . وقد روي عن زيد بن ثابت في ذلك نحو الذي روي فيه عن أبي بن كعب . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ فقال بعضهم بمثل الذي قلنا فيه من أن معناه لم يتغير . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة بن المفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه : لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ يقول : فانظر إلى طعامك من التين والعنب ، وشرابك من العصير لم يتسنه ، يقول : لم يتغير فيمحض التين والعنب ، ولم يختمر العصير هما حلوان كما هما . وذلك أنه مر جائيا من الشام على حمار له معه عصير وعنب وتين ، فأماته الله ، وأمات حماره ، ومر عليهما مائة سنة . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ يقول : لم يتغير ، وقد أتى عليه مائة عام . حدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك ، بنحوه . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير . حدثنا سفيان ، قال : ثنا أبي ، عن النضر ، عن عكرمة : لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير في مائة سنة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني بكر بن مضر ، قال : يزعمون في بعض الكتب أن إرميا كان بإيليا حين